نجيب الكمالي
رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين
قبل ألفي عام كان طريق الحرير يربط الشرق بالغرب وكانت القوافل الصينية تعبر الصحاري والجبال تحمل الحرير والتوابل والأفكار والأحلام لم تكن مجرد تجارة بل كانت شرايين حضارات وقنوات تلاق بين الشعوب والثقافات واليوم تحمل فكرة طريق الحرير الجديد بعد ألفي عام نفس الروح ولكن بأدوات العصر تترجمها الصين عبر الحزام والطريق الذي يربط آسيا وأوروبا وأفريقيا ويشارك فيه اكثر من سبعين بالمئة من دول العالم ويشهد آلاف المشاريع الاقتصادية العملاقة من قطارات فائقة السرعة إلى موانئ وشبكات طاقة رقمية
المبادرة الصينية لم تعد مجرد بنية تحتية بل أصبحت رؤية اقتصادية وسياسية واستراتيجية في آن واحد فهي تسعى إلى بناء شبكة من النفوذ المستدام عبر تمويل مباشر ومشاريع مشتركة خاصة مع الدول العربية حيث تمتد الشراكات إلى الإمارات والسعودية ومصر والمغرب وتونس لتشمل مشاريع طاقة مناطق صناعية بنية تحتية للموانئ والطرق وتطوير تكنولوجيات النقل والاتصالات كل ذلك بهدف خلق اقتصادات متشابكة ومستدامة تعتمد على التعاون المتبادل وتفتح الباب أمام فرص عمل وتنمية حقيقية
وفي هذا الإطار يظهر الرفيق المهندس غسان جابر كقارئ نادر للخرائط والمشهد السياسي والاقتصادي فهو في مقاله الحزام والطريق عندما قررت الصين أن ترسم خرائط القرن الحادي والعشرين لم يكتف بوصف المبادرة بل جعلنا نرى كيف تتحول الطرق القديمة إلى شرايين قوة اقتصادية وكيف تصبح الموانئ والمشاريع الصناعية بمثابة قلوب تنبض بالحياة والفرص واستطاع غسان أن يقرأ الخرائط السياسية كما يقرأ المهندس المخططات الهندسية ويربط بين التاريخ والجغرافيا والاقتصاد بطريقة تجعل القارئ يعيش التجربة ويستشعر ضخ الحياة في خطوط الحزام والطريق
الأيام تثبت صدق رؤية رجل مثل غسان جابر فها هي الأخبار تصلنا من كل حدب وصوب ففي كازاخستان يضيء مصنع صيني لتحويل النفايات إلى طاقة المدن وفي جورجيا يقطع قطار صيني حديث المسافات وعلى بعد خطوات من عالمنا العربي في صربيا يفتتح الرئيس هناك جسرا جديدا على نهر الدانوب بتعاون صيني إنها ليست مشاريع منعزلة بل فصول من القصيدة ذاتها التي كتب غسان مقدمتها
وفي زمن تتقاسم فيه القوى الكبرى النفوذ كان غسان مختلفا في تحليله وجد مكانا لفلسطين وجد طريقا يمر من القدس كما كان يمر منه الحرير قديما هذا هو الفرق بين رؤية الصين ورؤية غيرها الصين لا ترسم خرائط تخلو من أصحاب الأرض تريد خريطة تضم الجميع خريطة لا تنسى أن فلسطين كانت ولا تزال جوهرة الطريق ولم تكن رؤية غسان لفلسطين مجرد استعادة لتاريخ عابر فالصين التي وقفت دوما مع الحق الفلسطيني لم تترك الأرض وأهلها ففي الوقت الذي تتقاسم فيه القوى النفوذ كانت بكين تفتح أبواب المستقبل لأبناء فلسطين إذ باتوا اليوم ضمن برامج المنح والتدريب الصينية الواسعة ليكونوا شركاء في بناء الغد لا مجرد شعب ينتظر وعدا هذا هو الفرق بين من يرسم حدودا ومن يبني إنسانا
الصين لا تبني إمبراطورية لأنها تعلم أن الإمبراطوريات تسقط الصين تبني عالما تتسع فيه الخرائط للجميع عالما لا يهمش أحدا ولا يترك أحدا خلف الركب الحزام والطريق هو حلم صيني لكنه في الحقيقة حلم إنساني
وفي عام 2026 عام انطلاق الخطة الخمسية الجديدة يواصل هذا الحلم تمدده ها هي أفريقيا تشهد ميلاد أول خط سكة حديد صحراوي ثقيل في الجزائر وها هو جسر يربط بين ولايات الملايو في ماليزيا ليختصر المسافات وينعش الاقتصاد الصين لا تبني إمبراطورية بل تشيد بنية تحتية لعالم متعدد الأقطاب والرفيق غسان جابر بفهمه العميق جعلنا نرى أن هذه الطرق ليست حجرا واسمنتا بل هي شرايين السلام التي طالما حلمت بها البشرية فعندما تجتمع عظمة الرؤية مع عظمة الفهم تولد خرائط لا تشيخ ويولد حلم اسمه الحزام والطريق يسير على الأرض كأنه يحمل بشرى سلام لا تموت

