العقل الجمعي: وعي المجتمع وروح الفرد في فكر إميل دوركايم
اعداد الدكتور محمد العبادي
العقل الجمعي عند دوركايم ليس مجرد مفهوم نظري بل هو كيان حي يتجاوز حدود الفرد ليشكل روح المجتمع ويمنحه استمراريته وفاعليته في العالم فكأن لكل مجتمع قلب نابض وفكر مستقل ينبض عبر أفراده ويشكل وعيهم دون أن يتحول إلى مجرد مجموع للعقول الفردية يقول دوركايم إن نفوس الأفراد حين تتداخل وتمتزج تولد كيانا من نوع نفسي متميز خاص إن الجماعة تفكر وتحس وتعمل خلافا لما قد يفكر فيه ويحس به الأشخاص منفردين وهنا تظهر العظمة الفلسفية لفكر دوركايم فهو يرفض العقلانية الصرفة التي ترى أن المعرفة تنبع من الفرد وحده ويرفض التجريبية التي تجعل التجربة الحسية مصدر كل علم ويضع المجتمع كمنبع للمعرفة والمعايير والقيم فلا يمكن للفرد أن يفهم العالم بمعزل عن الجماعة ولا أن يقرر القيم دون أن يمر عبر شبكة العقل الجمعي الذي يفرض نفسه على تفكير كل فرد ويشكل وعيه ويحدده ويغذيه ومن هنا يظهر البعد النفسي العميق لأن الفرد يعيش حالة مزدوجة بين وعيه الشخصي والانصهار في وعي المجتمع فلا يكون الفرد منعزلًا عن الجماعة بل يعيش في علاقة تفاعلية دائمة تتشابك فيها رغباته مع قوانين المجتمع ومعاييره ويستطيع أن يختبر ذاته فقط من خلال سياق الآخرين ويصبح إدراكه للعالم إدراكًا جماعيًا كما لو أن المجتمع نفسه يتنفس ويفكر ويشعر عبر أفراده وفي هذا السياق الأدبي يظهر المجتمع ككائن حي له نبض ووعي يتداخل في حياة البشر بشكل شعوري ولا شعوري ويظهر النص كله كموسيقى تتدفق عبر النفوس لتخلق لحنا موحدًا من الاختلافات الفردية أما البعد الاجتماعي فيتجلى في كيفية تنظيم الجماعة لعلاقاتها الداخلية وتقسيم الأدوار والمهام وتوزيع السلطة والموارد والالتزام بالعرف والتقاليد والالتزامات المشتركة وكيف يفرض المجتمع على الأفراد شعورًا بالانتماء والمسؤولية تجاه الكل وكيف يولد هذا الانتماء شبكة من الدعم المتبادل والتفاعل الاجتماعي الذي يحفظ توازن الجماعة ويجعلها أكثر من مجرد مجموعة أشخاص أما البعد التاريخي فيتجلى في سياق الثورة الصناعية وانتشار المدن الكبرى وتنامي المؤسسات الحديثة التي أكدت أن الأفراد وحدهم عاجزون عن الحفاظ على النظام الاجتماعي أو نقل المعرفة فالطقوس والعادات والقوانين والرموز الثقافية كلها أدوات للعقل الجمعي تعيد إنتاجه عبر الزمن وتضمن استمرارية المجتمع أما البعد الطبّي النفسي فيتجلى في كيفية تأثير العقل الجمعي على الصحة النفسية للأفراد فالشعور بالانتماء والمشاركة في الجماعة يمكن أن يوفر حماية ضد القلق والاكتئاب ويمنح الفرد إحساسًا بالأمان والدعم النفسي بينما الانفصال عن الجماعة أو رفض العقل الجمعي قد يولد شعورًا بالعزلة والاغتراب النفسي واضطرابات في الهوية والشعور بالفراغ النفسي وهنا يظهر الدور العميق للطب النفسي في فهم التفاعل بين الفرد والمجتمع وكيف ينعكس الضغط الجماعي والقيم المشتركة على الصحة النفسية والعاطفية للفرد وكيف يمكن للعلاج النفسي أن يعيد للفرد توازنه داخل هذا النسيج الاجتماعي المعقد وهذا العقل الجمعي يمثل تلاقحًا مستمرًا بين الفلسفة والنفسية والأدب والاجتماع والتاريخ والطب النفسي فهو يوضح أن المعرفة ليست ملك الفرد بل نتاج التفاعل بين الفرد والمجتمع وأن وعي الفرد محدود ومتشبع بالوعي الجماعي وفي نفس الوقت يمنحه القدرة على التأمل والتحرك ضمن حدود الثقافة والقيم المشتركة في حين يصبح الفرد جزءًا من كيان أكبر يفرض ذاته ويغذيه وينير طريقه في الحياة وكأن كل فكرة وكل شعور وكل عمل صادر عن الفرد هو جزء من نسيج أوسع متجذر في تاريخ الجماعة وتجربة البشرية جمعاء ويظل اقتباس دوركايم رنينًا يذكرنا بأن “الجماعة تفكر وتحس وتعمل” وكأن المجتمع نفسه كائن حي يشعر وينبض ويعيد تشكيل كل فرد يعيش فيه
نبذة عن إميل دوركايم (1858 – 1917)
إميل دوركايم فيلسوف وعالم اجتماع فرنسي يُعدّ من مؤسسي علم الاجتماع الحديث وواحدًا من أهم المفكرين الاجتماعيين في القرن العشرين وُلد في فرنسا لعائلة يهودية متدينة ودرس الفلسفة قبل أن يتحول إلى دراسة الاجتماع بشكل أكاديمي منهجي ركّز في أعماله على دراسة المجتمع ككيان مستقل عن الأفراد مؤمنًا بأن للظواهر الاجتماعية قوانينها الخاصة التي يجب فهمها وتحليلها بعلمية دقيقة من أبرز مؤلفاته القواعد المنهجية في علم الاجتماع والانتحار والأشكال الأولية للحياة الدينية حيث قدّم خلالها مفاهيم أساسية مثل العقل الجمعي والتضامن الاجتماعي والطقوس الرمزية ساهمت أفكاره في ترسيخ علم الاجتماع كعلم مستقل وجعلته مرجعًا لا غنى عنه لفهم طبيعة المجتمع وعلاقته بالفرد والقيم والمعرفة




Leave feedback about this