مقالات منوعة

حين تتحول النبوءة إلى تجارة

بقلم : المهندس غسان جابر , عضو الاتحاد الدولي للصحفيين والاعلاميين اصدقاء وحلفاء الصين فرع فلسطين .

في عالمٍ تختلط فيه السياسة بالدين، ويجري استدعاء النصوص المقدسة لتبرير قرارات البشر، يبرز سؤال بسيط لكنه عميق: ماذا يعني أن يكون الإنسان مسيحياً حقاً؟

المسيحية في جوهرها ليست شعاراً سياسياً، ولا بطاقة هوية تُرفع عند الحاجة. إنها موقف أخلاقي قبل أن تكون انتماءً دينياً. جوهرها الانحياز للإنسان الضعيف، والوقوف إلى جانب المظلوم، والسعي إلى العدالة والرحمة. هذه هي الرسالة التي بشّر بها يسوع المسيح، حين دعا إلى المحبة وصناعة السلام، لا إلى إشعال الحروب ولا إلى تبرير الظلم.

المسيحي الحقيقي لا يُقاس بكثرة ما يردده من شعارات، بل بقدرته على رؤية الإنسان في الآخر. فالإيمان الذي لا يتحول إلى تضامن مع المتألمين يبقى ناقص المعنى مهما كثرت الصلوات والطقوس.

ولذلك لا يمكن للمسيحية أن تتحول إلى غطاءٍ سياسي أو إلى مبرر للعنف. فتعاليم الكتاب المقدس لا تعطي شرعية للقتل ولا تبرر امتهان كرامة الإنسان. الرسالة واضحة: العدالة طريق السلام، والرحمة أساس العلاقة بين البشر.

اللافت أن هذه القيم ليست بعيدة عن الإسلام. فالمسيح نفسه يحظى بمكانة كبيرة في القرآن الكريم، كما أن مريم العذراء تحظى بتكريم خاص. وهذا يبيّن أن جوهر الرسالات السماوية يلتقي عند فكرة واحدة: احترام الإنسان ونصرة الحق.

لكن ما يحدث اليوم في بعض الأوساط السياسية والدينية، خصوصاً في الولايات المتحدة، يطرح إشكالية خطيرة. فهناك من يتحدث عن حرب كبرى بوصفها تحقيقاً لنبوءة دينية تُعرف باسم “هرمجدون”.

هرمجدون في اللاهوت المسيحي ليست خطة عسكرية، بل رمز ورد في سفر الرؤيا في الكتاب المقدس، ويشير إلى معركة أخيرة بين الخير والشر في نهاية الزمان. هي فكرة روحية تتحدث عن انتصار العدالة في النهاية، وليست برنامجاً سياسياً يمكن أن يديره رئيس أو حكومة.

ومع ذلك، يظهر من يحاول تصوير بعض القادة السياسيين وكأنهم “مختارون” لتنفيذ هذه النبوءة. ومن بين الأسماء التي يجري الترويج لها في هذا السياق اسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

لكن السؤال البديهي يبقى قائماً: هل يعقل أن يكون شخص تحيط به قضايا الاحتيال المالي والاتهامات الأخلاقية نموذجاً يُقدَّم بوصفه أداة إلهية؟

فالرجل واجه خلال سنوات طويلة اتهامات بالاحتيال التجاري، وصدرت بحقه أحكام مدنية في قضايا اعتداء جنسي، كما ارتبط اسمه بعلاقات مثيرة للجدل مع شخصيات مثل جيفري ابستين. من الصعب تخيل أن السماء تختار شخصية بهذه السمعة لتكون رمزاً لمعركة بين الخير والشر.

والمفارقة أن الحروب في عصرنا لم تعد مجرد صراع سياسي، بل أصبحت أيضاً مجالاً لمصالح اقتصادية ضخمة. فعندما تتصاعد التوترات في الخليج مثلاً، ترتفع رسوم التأمين على السفن التي تعبر مضيق هرمز، وتزداد أرباح شركات النقل الخاصة التي تنقل الأثرياء والمسؤولين من مناطق الخطر.

وهنا يظهر جانب آخر من الصورة: الخوف قد يتحول إلى تجارة، والتوتر قد يصبح فرصة مالية لبعض الجهات التي تستفيد من تضخيم المخاطر.

لهذا يصبح من الضروري التمييز بين الإيمان الحقيقي وبين استخدام الدين لتبرير سياسات أو تحقيق أرباح. فالإيمان لا يُستعمل لإشعال الحروب، بل لإطفائها. والنصوص المقدسة لم تُكتب لتكون أدوات في الصراع السياسي، بل لتذكّر الإنسان بقيم العدالة والرحمة.

في النهاية، تبقى الحقيقة أبسط مما يحاول البعض تصويره.
الله ليس طرفاً في صفقات السياسة، ولا النبوءات برنامجاً انتخابياً، ولا يمكن أن تتحول رسالة السماء إلى تجارة في الأرض.

فالسلام لا يولد من الخوف،
والإيمان لا يقوم على الخداع،
والعدل وحده هو الطريق الذي يمكن أن يقود البشرية إلى مستقبل أكثر إنسانية.

م. غسان جابر – قيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.

Exit mobile version