شتاء قارس وجيوب فارغة: قرارات الرفع الجائرة تخنق المواطن
الدكتور محمد سعيد طوغلي
رئيس اتحاد الاعلاميين العرب
رئيس الاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين اصدقاء وحلفاء الصين.
لم يعد المواطن في بلدي يخشى قدوم فصل الشتاء لبرودة طقسه فحسب، بل لخشيته الأكبر من القرارات الحكومية الجائرة التي تأتيه كالصقيع لتقضم ما تبقى في جيبه من دخل محدود. ففي ظل موجة تضخم عالمية ومحلية، تختار حكومتنا العزيزة أسهل الطرق وأكثرها إيلاماً لترميم موازناتها وذلك من خلال رفع سعر الخبز والكهرباء.
إن الخبز، قوت الفقراء والغذاء الأساسي الذي لا غنى عنه، هو خط أحمر في معادلة العيش الكريم. وعندما تتخذ الحكومة قراراً بزيادة سعره، حتى لو كان “مدعوماً”، فإنها ترسل رسالة واضحة بأنّ الأولوية ليست لحماية الطبقات الأكثر ضعفاً. هذا الرفع، مهما كانت مبرراته من ارتفاع تكلفة الإنتاج أو تقليل الدعم، يضع عبئاً إضافياً مباشراً على مائدة كل أسرة، خاصة تلك التي بالكاد تستطيع تأمين وجبتها اليومية.
اما الكهرباء هي الحكاية الأشد إيلاماً
حيث يزداد المشهد قتامة مع قرار رفع أسعار الكهرباء. وفي الأوضاع الراهنة، حيث تشهد أسعار المحروقات (كالمازوت والغاز) ارتفاعاً فلكياً يجعلها بعيدة عن متناول غالبية المواطنين، يصبح الاعتماد على الكهرباء، وإن كانت تكلفتها مرتفعة أيضاً، هو الخيار الوحيد للتدفئة مع حلول فصل الشتاء.
هو لجوء اضطراري ، يضطر المواطنون إلى استخدام المدافئ الكهربائية أو وسائل التسخين التي تعمل بالكهرباء كبديل وحيد وممكن للتدفئة.
فاتورة لا ترحم ، هذا الاستخدام الضروري يتسبب في زيادة هائلة في استهلاك الكهرباء، لتأتي الفواتير الشهرية كصدمة قاسية لا تتناسب أبداً مع دخل الموظف أو العامل أو صاحب الأجر المحدود.
معادلة مستحيلة حيث يجد المواطن نفسه أمام خيارين أحلاهما مُر ، إما أن يُعرّض أسرته لبرد الشتاء القارس حفاظاً على ما تبقى من دخله، أو يدفئ أسرته ليجد نفسه عاجزاً عن تلبية احتياجاته الأساسية الأخرى كالغذاء والدواء.
إن المشكلة الجوهرية تكمن في عدم التناسب الصارخ بين القرارات الاقتصادية المتمثلة في رفع الأسعار وبين شح دخول المواطنين. فبينما تتضاعف أسعار السلع الأساسية والخدمات مراراً، تظل الرواتب والأجور أقل بكثير لا تواكب موجة الغلاء.
هذه القرارات الجائرة ليست مجرد أرقام في موازنة الدولة، بل هي تدهور حقيقي في جودة حياة الملايين، وتآكل للقدرة الشرائية، ودفع متزايد لشرائح مجتمعية واسعة نحو براثن الفقر المدقع ، الذي
يؤدي إلى تراجع مستوى المعيشة، حيث يتم التضحية بجودة الغذاء أو التعليم أو الرعاية الصحية لتأمين الخبز والتدفئة.
إن هكذا قرارات قد تؤدي إلى خطر الانفجار الاجتماعي، فالإمعان في إجهاد المواطن مادياً يهدد السلم الأهلي والاستقرار الاجتماعي.
مما يدعو إلى فقدان الثقة في قدرة الحكومة على إدارة موارد الدولة بكفاءة وضمير، بعيداً عن جيب المواطن المنهك.
ومن الضروري أن تستمع الحكومة لصوت الشعب وتعيد النظر في قراراتها الجائرة. يجب أن تكون هناك سياسات اقتصادية تأخذ بعين الاعتبار الظروف المعيشية للمواطنين، وتعمل على تخفيف الأعباء بدلاً من زيادتها. إن الحوار مع المجتمع المدني والاستماع لمطالب المواطنين يمكن أن يسهم في إيجاد حلول فعالة ومستدامة.
إن القرارات الجائرة كرفع أسعار الخبز والكهرباء لا تعكس فقط عدم مراعاة الحكومة لاحتياجات المواطنين، بل تعكس أيضاً فشلًا في إدارة الأزمات الاقتصادية. يجب أن تكون هناك خطوات عاجلة لتصحيح المسار وتحقيق العدالة الاجتماعية، لضمان حياة كريمة لجميع المواطنين.
نداء إلى إعادة النظر في هذين القرارين .
إن معالجة الأزمة الاقتصادية يجب أن تبدأ من حيث لا يضر القرار الأساس الذي يقوم عليه استقرار الأسرة. على الحكومات البحث عن بدائل حقيقية ومستدامة لتمويل العجز، عبر تفعيل الإنتاج وزيادة الصادرات.
إن رغيف الخبز ودفء الشتاء ليسا ترفاً، بل حق أساسي. وعلى صناع القرار أن يتذكروا دائماً أن المواطن هو الغاية وليس الوسيلة، وأن شتاءً قاسياً بقرارات جائرة هو نذير لا يحمد عقباه.




Leave feedback about this