حياة الشيمي تكتب
في زمن الحروب والأزمات جتعد قضية المرأة مجرد ملف اجتماعي أو حقوقي، بل أصبحت مرآة تعكس إنسانية العالم وعدالته.
فالنساء اليوم يقفن بين خطي النار: ضحايا للنزاعات من جهة، وصانعات للتغيير والتنمية من جهة أخرى.
وفي الوقت الذي تحيي فيه مصر بعد عدة ايام “يوم المرأة المصرية ” في ١٦ مارس، ويحتفل العالم في الثامن من مارس بـ “اليوم العالمي للمرأة”، لتتلاقى المناسبتان في رسالة واحدة:
أن مستقبل المجتمعات لا يمكن أن يُبنى دون تمكين النساء وحمايتهن من العنف والتمييز.
وبين ذكرى يوم المرأة المصرية واحتفال العالم باليوم العالمي للمرأة، تتجدد الأسئلة حول مكانة المرأة في المجتمعات المعاصرة: ماذا تحقق من إنجازات؟ وما الذي لا يزال ينتظر العدالة؟ في عالم يزداد اضطرابًا بسبب الحروب والنزاعات. من غزة بفلسطين التي تواجه حربًا مدمرة، إلى نساء إيران وفنزويلا في مواجهتهما للحصار والعدوان الأمريكي، في مقابل نساء يقُدن مسيرة التنمية في الصين، تظل قضية المرأة اختبارًا حقيقيًا لعدالة العالم. وبين الألم والأمل، يبقى صوت المرأة حاضرًا في معركة العدالة والكرامة الإنسانية.
وفي هذا السياق رفعت الأمم المتحدة شعار عام ٢٠٢٦: “الحقوق والعدالة والعمل من أجل جميع النساء والفتيات”، وهو شعار يعبّر عن ضرورة الانتقال من مجرد الاعتراف بالحقوق إلى العمل الجاد لضمان تحقيقها على أرض الواقع. في رسالة تؤكد أن تحقيق المساواة لا يكتمل بالاعتراف بالحقوق فقط، بل يتطلب إرادة سياسية وإجراءات عملية تضمن وصول هذه الحقوق إلى كل امرأة، فبينما تُرفع شعارات العدالة، تعيش ملايين النساء حول العالم واقعاً مختلفاً تماماً، حيث تتحول الحياة اليومية إلى معركة من أجل البقاء. فالنساء ما زلن الأكثر تضرراً من الصراعات، حيث تقف في كثير من الأحيان في الصفوف الأولى لمعاناة الحروب. لذلك لا تأتي هذه المناسبة للاحتفاء بالإنجازات فقط، بل لتذكير العالم بأن طريق العدالة ما زال طويلاً، بينما تقدم المرأة في فلسطين نموذجاً لافتاً للصمود في مواجهة الألم..
اليوم العالمي للمرأة… معركة مستمرة من أجل المساواة:
يمثل اليوم العالمي للمرأة مناسبة عالمية لتقدير الدور الذي لعبته النساء عبر التاريخ في الدفاع عن حقوقهن الأساسية، من حق التعليم والعمل إلى المشاركة المجتمعية والسياسية مثل حق الترشح والانتخاب. وقد شهد العالم خلال العقود الماضية تحولات مهمة سمحت للنساء باقتحام مجالات كانت حكراً على الرجال، من القيادة السياسية إلى العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد.
ومع ذلك، لا تزال الفجوات قائمة في العديد من الدول، حيث تعاني النساء من التمييز في الأجور، وضعف التمثيل في مواقع صنع القرار، إضافة إلى استمرار ظواهر العنف والتمييز. ولذلك فإن الاحتفال بهذا اليوم لا يقتصر على التكريم الرمزي، بل يمثل دعوة متجددة لمواصلة العمل من أجل تحقيق العدالة والمساواة.
يوم المرأة المصرية… ذاكرة وطنية للنضال صنعتها النساء:
تحتفل مصر في ١٦ مارس من كل عام بيوم المرأة المصرية، وهو يوم يحمل في طياته ذكرى تاريخية تعود إلى عام ١٩١٩ حين خرجت النساء في مظاهرات وطنية ضد الاحتلال، في مشهد جسّد شجاعة المرأة المصرية وإيمانها بقضية الوطن.
لقد شكّلت ثورة ١٩١٩ لحظة فارقة في تاريخ المرأة المصرية، حين خرجت النساء لأول مرة في مظاهرات جماهيرية يطالبن بالاستقلال والحرية، رافعات الأعلام في شوارع القاهرة في مشهد غير مسبوق آنذاك، حيث سقطت “حميدة خليل” أول شهيدة مصرية في الحركة الوطنية، لتصبح المرأة جزءً أصيلًا من معركة الاستقلال وبناء الدولة الحديثة، مؤكدات أن قضية الوطن وقضية المرأة كانتا وجهين لمعركة واحدة من أجل الكرامة.
ومن بين الرموز التاريخية لنضال المرأة المصرية تبرز الرائدة النسوية “هدى شعراوي” التي قادت حركة تحرير المرأة في مصر منذ مطلع القرن العشرين وأسست الاتحاد النسائي المصري عام ١٩٢٣، لتصبح رمزًا للنضال من أجل تعليم المرأة وحقوقها السياسية والاجتماعية. ومن اقولها الهامة :
“إن نهضة الأمة لا يمكن أن تتحقق إلا إذا نهضت المرأة وتعلمت وشاركت في بناء المجتمع.”
ومن الشخصيات النسائية المصرية اللاتي تركن بصمات تاريخية بارزة:
- صفية زغلول التي لقبت بـ”أم المصريين” لدورها الوطني.
- ملك حفني ناصف التي طالبت بحقوق تعليم المرأة منذ مطلع القرن العشرين.
- نبوية موسى هي رائدة تعليمية ونسوية مصرية، كانت من أوائل المصريات اللواتي نلن شهادة البكالوريا وقادت جهودًا مهمة لتعليم البنات والدفاع عن حقوق المرأة في مصر.
- سميرة موسى أول عالمة ذرة مصرية.
النساء في مناطق الحروب الضحية الصامتة:
في الوقت الذي تحقق فيه النساء إنجازات مهمة في كثير من المجتمعات، تعيش ملايين النساء في مناطق النزاع ظروفاً إنسانية قاسية. فالحروب لا تترك خلفها فقط مدناً مدمرة وبنى تحتية منهارة، بل تترك أيضاً جراحاً إنسانية عميقة، تكون النساء في كثير من الأحيان أكثر من يتحمل آثارها.
فالمرأة في مناطق النزاع تتحمل عبء النزوح وفقدان الأمن والاستقرار، وتضطر في كثير من الأحيان إلى القيام بدور المعيل الوحيد للأسرة. كما تواجه تحديات متعلقة بالحصول على الغذاء والرعاية الصحية والتعليم لأطفالها. وفي العديد من مناطق النزاع، تواجه النساء:
- النزوح القسري
- فقدان مصادر الدخل
- العنف الجنسي والاستغلال
- حرمان الفتيات من التعليم
وفي دول مثل فنزويلا التي تعاني من أزمة اقتصادية وسياسية حادة، تتحمل النساء عبء إعالة الأسر.
وتمثل هذه الظروف اختباراً قاسياً لقدرة المجتمعات على حماية الفئات الأكثر ضعفاً، وهو ما يجعل قضية النساء في مناطق الحروب قضية إنسانية تتطلب اهتماماً دولياً متواصلاً.
المرأة الفلسطينية… قصة صمود لا تنتهي
من بين أكثر النماذج تعبيراً عن قوة المرأة في مواجهة المحن، تبرز تجربة المرأة الفلسطينية في ظل الصراع المستمر. فقد كانت المرأة الفلسطينية على مدار عقود رمزاً للصمود والإصرار على الحياة رغم الظروف القاسية.
فالمرأة الفلسطينية ليست فقط أماً وزوجة، بل هي أيضاً حارسة للهوية والثقافة، وركيزة أساسية في الحفاظ على تماسك الأسرة والمجتمع. وفي ظل الأوضاع الصعبة التي تعيشها فلسطين، تحمل النساء أعباء مضاعفة بين مسؤوليات الحياة اليومية ومواجهة آثار الصراع.
وقد لعبت المرأة الفلسطينية دوراً بارزاً في التعليم والعمل المجتمعي والنشاط الإنساني، كما أسهمت في الحفاظ على روح الأمل لدى الأجيال الجديدة رغم كل التحديات.
“في زمن الحروب، تصبح المرأة أحياناً الحارس الأخير للحياة.”
الصين… نموذج لنساء يقُدن التنمية..
عندما تتكلم النساء… يتغير العالم:
على الجانب الآخر من العالم، تقدم الصين مثالًا مختلفًا لدور المرأة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
حيث تلعب المرأة دورًا محوريًا في مسيرة التنمية في الصين، إذ أصبحت مشاركتها في مجالات الاقتصاد والتعليم والبحث العلمي عاملًا مهمًا في دفع عجلة التقدم الاجتماعي والاقتصادي. فقد أسهمت السياسات الداعمة لتعليم المرأة وتمكينها في تعزيز حضورها في سوق العمل وفي قطاعات التكنولوجيا والصناعة وريادة الأعمال. ولم يعد دور المرأة يقتصر على نطاق الأسرة، بل امتد ليشمل المساهمة الفاعلة في التخطيط للتنمية وصنع القرار على المستويين المحلي والوطني، مما جعلها شريكًا أساسيًا في بناء مستقبل أكثر ازدهارًا واستدامة. ويعبّر عن ذلك القول: “إن نهضة الأمم لا تُقاس بما تمتلكه من موارد فحسب، بل بما تتيحه لنسائها من فرص”؛ فحين تنهض المرأة، وتُمنح فرصة المشاركة في بناء المستقبل، فإنها لا تطوّر نفسها فحسب، بل توسع آفاق التنمية للمجتمع بأكمله..
هذا الحضور يعكس حقيقة مهمة:
أن تمكين المرأة ليس مجرد قضية اجتماعية، بل ركيزة أساسية للتنمية الاقتصادية.
من المعاناة إلى صناعة الأمل
ورغم كل ما تواجهه النساء من صعوبات، فإن التاريخ يثبت أن المرأة قادرة على تحويل المعاناة إلى قوة، والضعف إلى إرادة للتغيير. فكثير من المجتمعات التي خرجت من الحروب لم يكن لها أن تنهض من جديد لولا الدور المحوري الذي لعبته النساء في إعادة بناء الأسر والمجتمعات. ولهذا تؤكد المؤسسات الدولية على ضرورة إشراك النساء في جهود بناء السلام وصنع القرار، لأن مشاركة المرأة لا تمثل فقط تحقيقاً للعدالة، بل تمثل أيضاً ضمانة لتحقيق سلام أكثر استدامة.
العدالة للمرأة… طريق إلى سلام العالم..
إن الاحتفاء بالمرأة في مارس ليس مجرد مناسبة رمزية، بل هو تذكير بأن العدالة الاجتماعية تبدأ من الاعتراف الكامل بدور المرأة وحقوقها. فحين تحصل النساء على فرص متساوية في التعليم والعمل والمشاركة في صنع القرار، يصبح المجتمع أكثر قدرة على تحقيق التنمية والاستقرار.
ومع شعار الأمم المتحدة لهذا العام — “الحقوق والعدالة والعمل من أجل جميع النساء والفتيات” — تتجدد الدعوة إلى أن يتحول هذا الشعار إلى واقع ملموس، لا سيما في الأماكن التي ما زالت النساء فيها يدفعن ثمن الحروب والصراعات.
فالمرأة، في النهاية، ليست فقط نصف المجتمع، بل هي القلب الذي يمنحه القدرة على الحياة. وحين تنال المرأة حقها في الكرامة والعدالة، يصبح العالم كله أكثر إنسانية..
مطالب النساء حول العالم
رغم التقدم في العديد من الدول، لا تزال النساء يرفعن مجموعة من المطالب الأساسية، من بينها:
- إنهاء العنف ضد المرأة
تجريم العنف الأسري والتحرش والاعتداء بكافة أشكاله. - المساواة في الأجور والفرص
سد الفجوة الاقتصادية بين الرجال والنساء. - تمكين المرأة سياسيًا
زيادة تمثيل النساء في البرلمانات ومراكز صنع القرار. - حماية النساء في مناطق النزاع وضمان سلامتهن وحقوقهن في مناطق الحروب واللجوء.
- ضمان التعليم للفتيات
القضاء على التسرب من التعليم في المناطق الفقيرة أو المضطربة. - سنّ تشريعات عادلة،
إلغاء القوانين التي تميّز ضد المرأة في العمل والميراث والملكية.
في يوم المرأة المصرية، وفي اليوم العالمي للمرأة، لا يكفي أن نحتفي بالإنجازات، بل يجب أن نتوقف أمام التحديات.
فالعالم الذي ما زالت فيه النساء يواجهن العنف والتمييز والحرمان من الحقوق، هو عالم لم يحقق العدالة بعد.
لكن التاريخ يثبت حقيقة واحدة:
كلما ارتفع صوت المرأة، اقترب العالم خطوة من العدالة.
ولهذا تبقى الرسالة واضحة:
لا تنمية بلا تمكين للمرأة…
ولا سلام بلا مشاركة النساء…
ولا مستقبل عادل دون مساواة حقيقية.

