بقلم: نجيب الكمالي، رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين
تبدأ فعاليات المؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني في 4 مارس، فيما تنطلق جلسات المجلس الوطني لنواب الشعب في 5 مارس وتستمر حتى 10 مارس 2026. ليستا مجرد اجتماعين، بل نبض الوطن الصيني، حيث يجتمع أوسع طيف من النواب والمستشارين لينحتوا من الكلمات سياسات الغد، ليرسموا بالأرقام والخطط ملامح المستقبل: من الاقتصاد والخدمات الاجتماعية إلى الابتكار العلمي والعلاقات الدولية. حضور هذه الدورات للصحفيين والمراقبين ليس مجرد تغطية إخبارية، بل فرصة نادرة لقراءة آليات صنع القرار من الداخل، لمشاهدة كيف تتحول أصوات المجتمع وخبرات المختصين إلى سياسات تمس حياة المليارات. هي نافذة مفتوحة على الديمقراطية الشعبية الصينية، على رؤية أمة تصر على التحديث والتنمية المستدامة.
لم يحدث أن سافرت إلى الصين. ومع ذلك… أشعر بنبض قلبي يرسم خريطة، كل خفقة فيها تصيح: هناك. أكتب إليكم الآن من منزلي في عدن، حيث يمتزج نسيم البحر برائحة الياسمين، والظلال تطول على جدران المنزل كأنها تودع الليل. السماء هنا تلبس ثوب الغروب بلون العسل، وغداً، حين يفتح المؤذن صوته لنداء الفجر، ستكون بكين قد سبقتني بثلاث ساعات إلى الضوء، وستفتح أبواب المستقبل في القاعة الكبرى.
الليلة… آخر ليلة قبل أن تبدأ الدورة. أجلس على سطح المنزل، أتأمل البحر الهادئ عند الغروب ينام على وسادة الأفق، وأفتح عيني على شاشة هاتفي فتأتيني الصور كأنها من حلم أعرفه جيداً: الممر المؤدي إلى القاعة الكبرى سيمتلئ غداً بالوفود القادمة من كل حدب وصوب، من حقول الأرز في الجنوب، من سهوب الشمال، من صحاري الغرب. سيرتدي النواب أزياءهم الرسمية، ويحملون بين أيديهم ملفات تحلم بها مدنهم وقراهم البعيدة، سيمشون بخطى ثابتة نحو مقاعدهم، والعلم الصيني يرفرف عالياً خلف المنصة كشاهد صامت على لحظة فارقة في حياة أمة. في يدي فنجان شاي يختلط فيه الهيل بالزنجبيل، ورائحته تأخذني هناك، إلى بكين التي لم أزرها، إلى أصوات سأستمع إليها غداً وكأنني بين مقاعدها، وكأن المقاعد تحن لمن لا يستطيع المجيء.
أتذكر مدرسي… كان يشير إلى البحر منذ عقود، يحكي عن سفن أتت من الصين تحمل الحرير والخزف، وعادت محملة بالعطر واللبان اليمني، كان يقول بصوته الهادئ كأمواج المساء: “من هناك تأتي الحضارات لتزورنا”. لم أكن أفهم حينها أن هذه الزيارة ستستمر قروناً، وأن الصين ستعود إلينا في لحظات العسر واليسر معاً، كحكاية لا تنتهي.
خلال سنوات الحرب، كانت الصين هناك. لم تختفِ. مساعداتها الطبية والإنسانية وصلت إلى مطار عدن، تحمل شعارات مألوفة تقول: “نحن هنا. لم ننسَ طريق الحرير القديم”. واليوم، هي تعقد اتفاقيات كبرى لتشغيل ميناء عدن، ومواقفها مع اليمن وفلسطين كانت دائمًا كحمامة سلام لا تعرف غير التحليق. منذ تلك اللحظة، صارت الصين في قلبي أكثر من مجرد اسم على خريطة. صارت وعداً بأن الشرق يستطيع أن يصافح الشرق، وأن المسافات لا تموت.
غداً سأستيقظ باكراً. وأنا صائم، سيكون جسدي مع الله، لكن قلبي سيبدأ رحلته قبل أي شروق. سأجلس أمام هاتفي بترقب مختلف، أتابع الوفود وهي تدخل الواحدة تلو الأخرى، أقرأ كلمات الافتتاح كأني أقرأ قصيدة طويلة عن المستقبل، أستمع للتقارير والخطط، وأدوّن ملاحظاتي على هامش قلبي بقلم لا يرى.
سأتذكر الطلاب اليمنيين الستة آلاف في الصين، الذين يفتحون هواتفهم في مساكنهم في بكين وشنغهاي وقوانغتشو، يشعرون بالفخر وهم يرون علم الصين يرفرف هناك، ويعرفون في قرارة أنفسهم أنهم يعيشون تجربة التعلم والعمل في بلد يصنع المستقبل كل يوم، كأن الزمن هناك يركض أسرع من هنا. وسأتذكر سفيرنا في بكين، الدكتور محمد الميتمي، الذي يمثل صوت اليمن في قلب الصين، ويعكس بعمق العلاقات التاريخية بين بلدينا، مؤكداً أن الشراكة والتعاون ليست وليدة اليوم، بل امتداد لتراث طويل من الصداقة والثقة، كخيط من نور يصل بين عدن وبكين منذ ألف عام وما زال.
قد لا أصل إلى الصين جسديًا أبداً. وربما يبقى الحلم حلمًا يدندن في صدري كلما هب نسيم الشرق. لكن ما أعرفه يقينًا… أن الصين سافرت إليّ. إلى قلبي، إلى قلمي، وإلى كل كلمة أكتبها عنها. إلى فنجان الشاي الذي أشربه في المساء، إلى نظراتي الطويلة نحو البحر، إلى أسئلة الطلاب الذين يسألونني عنها.
عدن، مساء 3 مارس 2026
وقلبي هناك… هناك… في بكين

