الدكتور سعيد ولد عربية
حين تتحدث صحيفة مثل The Times عن استعداد واشنطن لاستخدام قاعدة دييغو غارسيا كمنصة انطلاق لقاذفات B-2 Spirit ضد إيران، فالأمر لا يُقرأ كخبر عابر في زاوية دولية… بل كإشارة إنذار مبكر بأن طبول الحرب تُقرع بصوت منخفض تمهيدًا لرفع الإيقاع.
دييغو غارسيا ليست مجرد جزيرة نائية في المحيط الهندي، بل خنجر استراتيجي عابر للقارات. من هناك، تستطيع قاذفات الشبح الأمريكية أن تضرب عمق الأهداف المحصنة دون الحاجة إلى قواعد إقليمية مكشوفة. الحديث عن استخدامها “مع أو بدون موافقة المملكة المتحدة” يكشف حجم الجدية الأمريكية، ويؤشر إلى أن القرار – إن اتخذ – سيكون أمريكيًا صرفًا حتى لو أحرج الحلفاء.
لماذا B-2 تحديدًا؟
قاذفة B-2 ليست طائرة تقليدية، بل رسالة سياسية قبل أن تكون أداة عسكرية. هي مخصصة لضرب الأهداف عالية التحصين: منشآت نووية، مراكز قيادة، مخازن صواريخ تحت الأرض. اختيارها في التسريبات يعني أن أي سيناريو مطروح لا يتحدث عن ضربة رمزية، بل عن عملية “شلّ قدرات”.
وفي المقابل، ليست إيران هدفًا سهلًا. عقيدتها الدفاعية قائمة على الرد غير المتكافئ: صواريخ باليستية، طائرات مسيّرة، أذرع إقليمية، وإغلاق مضائق استراتيجية. أي ضربة لن تكون نهاية المشهد… بل بدايته.
تحذيرات السفر… لغة ما قبل العاصفة
دعوة الولايات المتحدة رعاياها لمغادرة إسرائيل فورًا “طالما أن الرحلات التجارية متاحة”، والسماح للموظفين غير الأساسيين بالمغادرة، ليست إجراءات بروتوكولية. إنها سلوك دولة تتوقع احتمالية تصعيد واسع.
الأخطر هو تكرار الدعوة لمواطنيها في إيران بالمغادرة الفورية، مع تأكيد أنه “لا يجب على أي أمريكي السفر إلى إيران لأي سبب”. هذه ليست نصيحة سياحية… بل مؤشر استخباري على أن هامش الأمان يتآكل.
عندما تبدأ الدول بإخلاء رعاياها، فهذا يعني أن دوائر القرار تتعامل مع سيناريوهات ضرب متبادل، وربما اتساع رقعة الاشتباك إلى ما هو أبعد من ضربة محدودة.
الرسالة إلى طهران… وإلى تل أبيب
التسريب عبر صحيفة بريطانية ليس صدفة. إنه ضغط نفسي محسوب. واشنطن تقول لطهران: “الخيارات على الطاولة، وأدوات التنفيذ جاهزة”. وفي الوقت ذاته تطمئن إسرائيل أن المظلة الأمريكية ما زالت مفتوحة، بل وربما جاهزة للعمل.
لكن في الحسابات الكبرى، أي شرارة قد تشعل المنطقة من الخليج إلى شرق المتوسط. الأسواق العالمية، أسعار النفط، الممرات البحرية… كلها ستكون رهائن لساعات النار الأولى.
هل هي حرب حتمية؟
ليس بالضرورة. أحيانًا تُستخدم أخبار من هذا النوع لرفع سقف الردع ودفع الخصم إلى التراجع خطوة قبل الانفجار. لكن المشكلة أن اللعب على حافة الهاوية محفوف بخطأ تقدير واحد فقط.
إذا تحركت B-2 من دييغو غارسيا، فلن يكون الحدث عسكريًا فحسب… بل تحولًا استراتيجيًا يعيد رسم قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط لسنوات.
المنطقة الآن تقف عند مفترق طرق خطير. التحذيرات تُطلق، القواعد تُجهز، والطائرات تُهيأ.
السؤال ليس هل يمكن أن تندلع المواجهة…
بل هل ما زال هناك متسع من الوقت لإطفاء فتيلها قبل أن تدق ساعة الصفر فعلاً؟



Leave feedback about this