فن الإنجاز الهادئ… كيف نعمل بجد كي لا يتغير شيء
مقالات منوعة

فن الإنجاز الهادئ… كيف نعمل بجد كي لا يتغير شيء

بقلم:المهندس غسان جابر

في عالم السياسة، هناك حكومات تصنع الضجيج بالإنجازات، وأخرى تصنع الإنجازات بالضجيج… ثم هناك مستوى أعلى من الاحتراف الإداري:
أن تعمل بصمت… كي لا يحدث شيء على الإطلاق.

بهذه الفلسفة الهادئة، يقود الدكتور محمد مصطفى نموذجًا إداريًا يمكن وصفه ببساطة شديدة:
إدارة عالية الهدوء… منخفضة النتائج… مستقرة في مكانها تمامًا.

لا صدمات… لا تحولات… لا مفاجآت… فقط سكون منظم يشبه مكتبة مغلقة بعناية: كل شيء مرتب، كل شيء هادئ… وكل شيء غير مستخدم.

الميزة الأكثر ابتكارًا في هذه التجربة أن الغموض أصبح سياسة عامة.
لا أحد يعرف أسماء الوزراء. لا أحد يتابع وجوههم. لا أحد يميز بينهم.
ليس لأنهم يملؤون المشهد حضورًا… بل لأن حضورهم خفيف إلى درجة فلسفية.

اسأل أي مواطن عن اسم وزير واحد… وستحصل على الإجابة ذاتها بثقة مدهشة:
“أكيد في وزراء… لكن لا أعرف أسماءهم.”

وهذا بحد ذاته إنجاز إداري غير مسبوق… حكومة تعمل دون أن تُربك المواطن بتفاصيل من يعمل فيها.

أما الإنجاز الوحيد الذي يقاس بدقة علمية كل شهر، فهو الراتب.
ليس استلامه… بل احتمال استلامه.

لقد تطورت الأحلام الوطنية تدريجيًا وبهدوء شديد:
كان الموظف يحلم بالاستقرار…
ثم أصبح يحلم بالانتظام…
ثم أصبح يحلم بالاكتمال…

واليوم أصبح الحلم أكثر تواضعًا وواقعية:
أن يستلم راتبه كاملًا مرة واحدة فقط… لا أكثر… فقط لإثبات أن الفكرة ممكنة نظريًا.

الراتب الكامل لم يعد استحقاقًا وظيفيًا… بل ظاهرة فلكية نادرة… تُرصد… تُحلَّل… وقد تُدرج لاحقًا ضمن التراث غير المادي.

الموظف لم يعد يسأل: متى ينزل الراتب؟
بل يسأل: كم النسبة هذه المرة؟

وهنا تتجلى الفلسفة الاقتصادية الشعبية التي تحولت بهدوء إلى مبدأ حياة:
اللي برضى… بعيش.

لكن النسخة المطورة إداريًا تبدو أكثر دقة:
اللي برضى بالقليل… يعيش مرتاحًا.
واللي برضى بالنصف… يعيش أطول.
أما الذي ينتظر الراتب كاملًا… فما زال يؤمن بالمفاجآت الكونية.

أما الأزمات، فهي لا تختفي… بل تنضج.
الغاز لا ينقص… بل يمر بمرحلة تأمل وجودي.
الوقود لا يندر… بل يعيد تشكيل مفهوم الحركة.
الرعاية الصحية لا تتراجع… بل تمنح المواطن وقتًا أطول للتفكير في قيمة الصحة قبل الوصول إليها.

كل شيء مستمر… لكن بوتيرة تجعل الزمن نفسه يبدو وكأنه دخل برنامج تقشف طويل الأمد.

العبقرية الحقيقية في هذه التجربة أنها أعادت تعريف معنى الإنجاز.
لم يعد الإنجاز تغيير الواقع… بل الحفاظ عليه من أي مغامرة قد تجعله مختلفًا… وهذا خطر لا داعي له.

نحن لا نتقدم… ولا نتراجع…
نحن نحافظ على توازن دقيق بين الممكن… وغير الحاصل.

وفي المحصلة، نجحت الإدارة في تحقيق هدف استراتيجي عميق:
خفض التوقعات… حتى اختفت.
تبسيط الطموحات… حتى تقلصت.
وتعليم المجتمع مهارة سياسية نادرة… اسمها الرضا كخطة وطنية طويلة المدى.

وهكذا تستمر التجربة بهدوء كامل:
نعمل بصمت…
نخطط بهدوء…
نعلن بثقة…

وننجز… لا شيء… بإتقان لافت.

وبطمأنينة شعبية راسخة…
اللي برضى… بعيش.

م. غسان جابر – قيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.

Leave feedback about this

  • Quality
  • Price
  • Service

PROS

+
Add Field

CONS

+
Add Field
Choose Image
Choose Video