بقلم :المهندس غسان جابر عضو الاتحاد الدولي للصحفيين والاعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين فرع فلسطين
في لحظات التحول الكبرى في التاريخ، لا تُصنع الأحداث فقط في ميادين الحروب، بل تُصنع أيضًا على الخرائط.
وعلى تلك الخرائط تحديدًا، يمكن أحيانًا قراءة مستقبل العالم قبل أن يقع.
في عام 2013، وقف الرئيس الصيني شي جين بينغ في خطابين متتاليين في آسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا، ليعلن فكرة بدت في ظاهرها اقتصادية، لكنها في حقيقتها كانت رؤية جيوسياسية واسعة: مبادرة الحزام والطريق.
لم تكن تلك مجرد خطة لمد سكك حديدية أو بناء موانئ، بل كانت إعلانًا صينيًا بأن بكين قررت أن تدخل القرن الحادي والعشرين كقوة مركزية في الاقتصاد العالمي، لا كمصنع للعالم فقط، بل كمهندس لشبكة التجارة العالمية نفسها.
وفي السياسة الدولية، عندما تقرر دولة أن تعيد رسم طرق التجارة، فإنها في الواقع تعيد رسم موازين القوة.
عودة التاريخ إلى الجغرافيا
حين نتأمل الفكرة الصينية، نجد أنها تقوم على استدعاء التاريخ.
فالصين لم تختر اسم المبادرة مصادفة، بل استدعت اسم طريق الحرير القديم، ذلك الطريق الذي ربط الشرق بالغرب منذ أكثر من ألفي عام.
عبر تلك الطرق كانت القوافل تنقل الحرير الصيني إلى أسواق روما وبيزنطة، لكنها كانت تنقل أيضًا الأفكار والعقائد والتقنيات.
وبمعنى آخر، لم يكن طريق الحرير مجرد طريق للتجارة، بل كان طريقًا لصناعة الحضارة.
اليوم تريد الصين أن تعيد إحياء تلك الفكرة، ولكن بأدوات العصر:
قطارات فائقة السرعة، موانئ عملاقة، خطوط أنابيب طاقة، وشبكات رقمية.
إنها محاولة لتحويل الجغرافيا مرة أخرى إلى محرك للتاريخ.
مشروع يتجاوز الاقتصاد
مبادرة الحزام والطريق في ظاهرها مشروع بنية تحتية.
لكن في حقيقتها مشروع نفوذ.
فالمبادرة تقوم على ركيزتين أساسيتين:
الأولى: الحزام الاقتصادي البري الذي يمتد عبر آسيا الوسطى وصولًا إلى أوروبا.
والثانية: طريق الحرير البحري الذي يمتد عبر المحيط الهندي حتى البحر المتوسط.
وبين هذين المسارين تتشكل شبكة ضخمة من الطرق والسكك الحديدية والموانئ وخطوط الطاقة.
وقد وقعت أكثر من 140 دولة اتفاقيات تعاون ضمن هذه المبادرة، ما يجعلها واحدة من أوسع المشاريع الدولية في التاريخ الحديث.
لكن الأهم من الأرقام هو المعنى السياسي.
فحين تمول الصين الطرق والموانئ في عشرات الدول، فإنها لا تبني بنية تحتية فقط، بل تبني علاقات اعتماد اقتصادي طويل الأمد.
وفي السياسة الدولية، الاعتماد الاقتصادي غالبًا ما يتحول إلى نفوذ سياسي.
لماذا تحتاج الصين إلى هذا المشروع؟
لفهم دوافع بكين، علينا أن ننظر إلى التحول الذي شهدته الصين خلال العقود الأربعة الماضية.
فالصين التي كانت اقتصادًا زراعيًا مغلقًا أصبحت اليوم ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
لكن هذا الاقتصاد العملاق يواجه معضلتين:
الأولى: حاجته المستمرة إلى الأسواق الخارجية لتصريف الإنتاج.
والثانية: حاجته إلى تأمين طرق التجارة والطاقة التي تعتمد عليها صناعاته.
وهنا يظهر البعد الاستراتيجي للمبادرة.
فبدل أن تعتمد الصين على طرق التجارة التي تسيطر عليها القوى البحرية التقليدية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تحاول أن تنشئ شبكة طرق بديلة، بعضها بري وبعضها بحري، تقلل من اعتمادها على الممرات التي قد تتحول في لحظة توتر سياسي إلى نقاط ضغط عليها.
إنها ببساطة محاولة لتحرير الاقتصاد الصيني من قيود الجغرافيا السياسية التقليدية.
القلق الأمريكي
من هنا يمكن فهم القلق الأمريكي من هذه المبادرة.
فالولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية كانت القوة التي تدير النظام الاقتصادي العالمي، عبر مؤسسات مثل:
صندوق النقد الدولي
البنك الدولي
لكن مبادرة الحزام والطريق تقدم نموذجًا مختلفًا.
فهي تعتمد على التمويل الصيني المباشر، وعلى شركات صينية تنفذ المشاريع، وعلى شبكة اقتصادية تدور حول بكين بدلًا من واشنطن.
وهذا ما جعل كثيرًا من صناع القرار في الولايات المتحدة يرون في المبادرة محاولة صينية لإعادة صياغة النظام الاقتصادي العالمي.
بل إن بعضهم وصفها بأنها “خطة مارشال صينية”، في إشارة إلى البرنامج الأمريكي الذي أعاد إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية ورسخ النفوذ الأمريكي هناك.
الاتهام: دبلوماسية فخ الديون
من أبرز الانتقادات التي وُجهت إلى المبادرة ما يسمى فخ الديون.
ويقوم هذا الاتهام على فكرة أن الصين تقدم قروضًا ضخمة للدول النامية لتمويل مشاريع البنية التحتية، ثم تجد تلك الدول نفسها عاجزة عن السداد، ما يضطرها إلى تقديم تنازلات اقتصادية أو استراتيجية.
وغالبًا ما يُشار إلى تجربة سريلانكا عندما حصلت الصين على حق تشغيل ميناء هامبانتوتا لمدة 99 عامًا بعد تعثر الحكومة في سداد القروض.
لكن الصين ترفض هذا الاتهام وتقول إن معظم مشاريعها جاءت بطلب من الدول نفسها، وإنها أعادت التفاوض على العديد من القروض وخففت عبء الديون في حالات كثيرة.
الحقيقة، كما هو الحال في معظم القضايا الدولية، ليست سوداء أو بيضاء.
فبعض المشاريع نجح بالفعل في تحسين البنية التحتية للدول المشاركة، بينما واجهت مشاريع أخرى مشاكل مالية وسياسية.
محاولة أمريكية للمنافسة
لم تقف الولايات المتحدة مكتوفة الأيدي.
فقد حاولت مع حلفائها إطلاق مبادرات بديلة لتوفير تمويل للبنية التحتية في الدول النامية.
من بين هذه المبادرات برامج أعلنتها دول مجموعة السبع لتمويل مشاريع عالمية في مجالات الطاقة والنقل والاتصالات.
لكن حتى الآن، لم تصل هذه المبادرات إلى مستوى التمويل أو الانتشار الذي حققته المبادرة الصينية.
ويرى كثير من المراقبين أن السبب بسيط:
الصين مستعدة لتحمل المخاطر المالية التي تتجنبها المؤسسات الغربية.
الشرق الأوسط… قلب الطريق الجديد
في خريطة الحزام والطريق يحتل الشرق الأوسط موقعًا استثنائيًا.
فهو الجسر الطبيعي بين آسيا وأوروبا، وهو أيضًا أحد أهم مصادر الطاقة في العالم.
ولهذا توسعت الاستثمارات الصينية في الموانئ والطاقة والبنية التحتية في المنطقة.
لكن بكين تحاول أن تحافظ على توازن دقيق، فهي تتجنب الدخول في صراعات المنطقة السياسية، وتفضل أن تقدم نفسها كشريك اقتصادي لا كلاعب سياسي.
وهذه السياسة تمنحها مساحة حركة أوسع في منطقة اعتادت أن تكون ساحة نفوذ للقوى الغربية.
وماذا عن فلسطين؟
السؤال هنا يصبح أكثر حساسية.
فلسطين من حيث الموقع الجغرافي تقع في قلب الممر الذي يربط آسيا بالبحر المتوسط.
لكن الواقع السياسي يجعل الاستفادة المباشرة من هذه المبادرة أمرًا معقدًا.
فالدولة الفلسطينية لا تملك السيطرة الكاملة على حدودها أو موانئها أو مجالها الجوي.
ومع ذلك، يمكن النظر إلى المبادرة كفرصة غير مباشرة.
فكلما توسعت شبكات التجارة والبنية التحتية في المنطقة، ظهرت فرص جديدة للاقتصادات الصغيرة للمشاركة في سلاسل الإنتاج والتجارة.
لكن ذلك يتطلب رؤية اقتصادية فلسطينية قادرة على استثمار هذه التحولات.
الطريق الذي قد يغير العالم
في النهاية، قد يكون من المبكر الحكم على مبادرة الحزام والطريق.
لكن المؤكد أنها تعكس تحولًا عميقًا في ميزان القوى العالمي.
فالصين التي كانت قبل نصف قرن دولة فقيرة معزولة، أصبحت اليوم قوة قادرة على إطلاق مشروع يعيد رسم طرق التجارة العالمية.
وفي التاريخ، كانت طرق التجارة دائمًا مقدمة لتحولات سياسية كبرى.
ولهذا قد لا يكون السؤال الحقيقي هو:
هل تنجح المبادرة أم لا؟
بل ربما يكون السؤال الأهم:
هل يشهد العالم بداية نظام اقتصادي جديد، تتحول فيه طرق الحرير القديمة إلى شرايين لقوة عالمية صاعدة؟
التاريخ وحده سيعطي الجواب،
لكن الخرائط التي ترسمها الصين اليوم توحي بأن القرن الحادي والعشرين قد يكون، إلى حد بعيد، قرن الطرق الصينية.
م. غسان جابر – عضو الاتحاد الدولي للصحفيين و الإعلاميين أصدقاء و حلفاء الصين.



Leave feedback about this