بقلم: المهندس غسان جابر ، عضو الاتحاد الدولي للصحفيين والاعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين فرع فلسطين .

هناك لحظات في التاريخ يتغير فيها اتجاه العالم دون ضجيج.
لا تطلق فيها المدافع، ولا تُكتب فيها البيانات الثورية، لكن بعدها يصبح العالم مختلفاً.
صعود الصين هو إحدى هذه اللحظات.
قبل سبعين عاماً فقط، كانت الصين بلداً فقيراً يخرج لتوه من الحروب والمجاعات. كان متوسط دخل الفرد لا يتجاوز بضع مئات من الدولارات سنوياً، وكانت ملايين العائلات تعيش على الزراعة البدائية. لم يكن أحد في العالم يتخيل أن هذا البلد المرهق سيصبح بعد عقود قليلة أحد أعمدة الاقتصاد العالمي.
لكن ما حدث في الصين ليس مجرد نمو اقتصادي.
إنه أسرع تحول حضاري في التاريخ الحديث.
اقتصاد بحجم قارة
في عام 1990 كان الاقتصاد الصيني يمثل أقل من 6% من حجم الاقتصاد الأمريكي.
أما اليوم فقد أصبح الاقتصاد الصيني يتجاوز 18 تريليون دولار، أي ما يقارب ثلاثة أرباع الاقتصاد الأمريكي.
والأكثر إثارة أن الصين أصبحت خلال العقدين الماضيين المساهم الأكبر في نمو الاقتصاد العالمي، حيث تشكل ما يقارب 30% من النمو الاقتصادي العالمي سنوياً.
الصين ليست فقط ثاني أكبر اقتصاد في العالم، بل أصبحت أيضاً:
- أكبر دولة صناعية على وجه الأرض
- أكبر دولة مصدرة للسلع في العالم
- أكبر احتياطي نقدي أجنبي يتجاوز 3 تريليونات دولار
بل إن الصين تنتج اليوم أكثر من 28% من الإنتاج الصناعي العالمي، أي أكثر من الولايات المتحدة وأوروبا مجتمعين.
معجزة البنية التحتية
إذا أردت أن تفهم سرعة الصين، فانظر إلى سككها الحديدية.
خلال أقل من عشرين عاماً بنت الصين أكبر شبكة قطارات فائقة السرعة في العالم بطول يتجاوز 50 ألف كيلومتر.
هذه الشبكة وحدها أطول من مجموع شبكات القطارات السريعة في بقية دول العالم.
أما شبكة الطرق السريعة فقد تجاوزت 160 ألف كيلومتر، وهي الأكبر عالمياً.
وخلال العقدين الماضيين فقط، قامت الصين ببناء أكثر من 130 مطاراً جديداً، إضافة إلى موانئ تعتبر اليوم الأكبر والأكثر نشاطاً في العالم.
إنها دولة تبني المستقبل بالإسمنت والحديد، ولكن أيضاً بالعقول.
من مصنع العالم إلى مختبر العالم
في التسعينيات كانت الصين تُعرف بأنها “مصنع العالم”، تنتج السلع الرخيصة التي تملأ الأسواق.
أما اليوم فقد أصبحت الصين مختبراً عالمياً للتكنولوجيا.
- تنفق الصين سنوياً أكثر من 3 تريليونات يوان على البحث العلمي والتطوير.
- وتخرج جامعاتها كل عام أكثر من خمسة ملايين مهندس وعالم في مجالات التكنولوجيا والعلوم.
- كما أصبحت رائدة في الذكاء الاصطناعي والاتصالات والفضاء والمركبات الكهربائية.
الشركات الصينية مثل Huawei تقود تطوير شبكات الاتصالات العالمية، بينما أصبحت شركة BYD من أكبر منتجي السيارات الكهربائية في العالم، أما منصة TikTok فقد غيرت شكل الإعلام الرقمي لدى جيل كامل من الشباب حول العالم.
أعظم حرب على الفقر
لكن المعجزة الصينية لا تقاس فقط بالمصانع والقطارات.
فالصين نجحت خلال أربعة عقود في انتشال أكثر من 800 مليون إنسان من الفقر، وهو أكبر إنجاز اجتماعي في التاريخ الاقتصادي الحديث.
هذا الرقم يعادل تقريباً سكان قارة كاملة خرجوا من الفقر إلى الطبقة الوسطى.
الصين 2050… العالم الجديد
التوقعات الاقتصادية تشير إلى أن الصين قد تصبح بحلول عام 2050 أكبر اقتصاد في العالم بفارق واضح.
وقد تقود أيضاً ثورات تكنولوجية في:
الذكاء الاصطناعي
الطاقة النظيفة
الفضاء
الاقتصاد الرقمي
إذا استمرت هذه المسيرة، فإن القرن الحادي والعشرين قد يصبح بالفعل قرن الصين، تماماً كما كان القرن العشرون قرن الولايات المتحدة.
رسالة إلى الشباب العربي
في زمن تتغير فيه موازين القوة في العالم، يحتاج الشباب العربي إلى أن يقرأ المستقبل جيداً.
الصين اليوم ليست مجرد دولة بعيدة في شرق آسيا، بل مختبر عالمي للعلم والتكنولوجيا والاقتصاد.
ولهذا ربما لم يكن عبثاً أن تتردد المقولة الشهيرة المنسوبة النبي
صل الله عليه وسلم:
“اطلبوا العلم ولو في الصين”.
سواء أخذناها كحديث أو كحكمة تاريخية، فإن معناها عميق:
العلم لا وطن له… ومن يبحث عنه يجب أن يذهب إليه حيث يوجد.
الصين اليوم تفتح جامعاتها ومراكزها العلمية أمام العالم، وتقدم آلاف المنح الدراسية، وتبني شراكات علمية مع عشرات الدول.
ولهذا فإن الرسالة للشباب العربي واضحة:
لا تكتفوا بمشاهدة صعود العالم الجديد…
كونوا جزءاً منه.
تعلموا لغته، ادخلوا جامعاته، وافتحوا عقولكم على تجاربه.
فالعالم الذي يتشكل اليوم قد تكون ملامحه آسيوية…
ومن يفهم آسيا مبكراً، يفهم مستقبل العالم.
م. غسان جابر – قيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.



Leave feedback about this